منذ بدء التاريخ كان و لايزال “التاريخ” و لاتزال “الجغرافيا” نقمة ظالمة علينا.

نحن أهل الشام نسينا أو تجاهلنا تاريخنا المرير منذ سقوط الخلافة الأموية. مانجهله هو الحقيقة التاريخية أننا لم نحكم ذاتنا بدولة موحدة تمثل أغلبية أهل الشام سوى فترة قصيرة من تاريخنا الدامي. كنا و لانزال إلعوبة بيد القوى الطائفية و العرقية سواء كانت محلية أو عالمية. فبعد الخلافة الأموية كان البرامكة الفرس مصدر قوة الخلافة العباسية في زمن هارون الرشيد و المأمون الى أن إستطاع المعتصم أن يستبدلهم بالسلاجقة الأتراك. لم تمضي عقود قليلة حتى سيطر الأتراك بالكامل على مقاليد الحكم في الخلافة العباسية. خلال فترة إضمحلال الخلافة العباسية، تبادل الصليبيون و المغول و الفاطميّون و المماليك حكم الشام الى أن سيطر العثمانيون عليها. الآن و بعد قرن على ثورة لورانس الإنكليزي على الأتراك لا نزال إلعوبة بين فرس و روم و سلاجقة و تتار العصر الحالي. وهاهنا نحن بالإضافة الى نقمة الجغرافيا لا نزال نصارع غِلّ هذا التاريخ المرير. في قرن من الزمن، إستطاعت العديد من الشعوب التي كانت خلفنا أن تتطور و تسبقنا في الحضارة و الإقتصاد بينما لانزال نناطح التاريخ في محاولات ساذجة لتدوير عجلة الزمن الى الوراء.

الثورة لم تعرّي فقط نظام القتل و الإستبداد بل فضحت رياءنا تحت مسميات الأمة العربية التي لم تكن متحدة واحدة حتى في عصرها الذهبي أو الأمة الإسلامية لم تكن متوحدة واحدة منذ طعن أبو لؤلؤة المجوسي غدرا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هل سوف نُضِيعُ جيل جديد في الدائرة المغلقة بين الإستبداد و التطرّف الجاهل.

ماهو الحل؟.
رغم تهافت القوى المحلية و العظمى علينا، لا يمكن عزل التغيير السياسي عن التطور الإجتماعي و الحضاري.

هل البداية في تغيير المجتمع وصناعة عقد إجتماعي جديد؟.

في كتابه “سياسة التغيير الإجتماعي في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا” يقول مانفريد هالبيرن (١٩٦٣) أن التغيير في الشرق الأوسط سوف يبقى من ثورة الى ثورة تُعيد تشكيل نفس نظام الحكم بأطر و أيديلوجية مختلفة مع عدم المقدرة على تغيير الواقع. حيث أن التحول الأساسي ليس مجرد تبادل أنظمة الحكم بل تغيير عقلية و عقائد المجتمع وكيف تتحول العقائد الى أفعال و كيفية يتعامل ويتفاعل الأفراد و المجتمعات مع بعضها البعض.

أم أن البداية في تغيير أنظمة الإستبداد؟.

في كتابه الشهير “طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد” يقول عبد الرحمن الكواكبي: “فالقائل مثلا: إن أصل الداء التهاون في الدين، لا يلبث أن يقف حائرا عندما يسأل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين؟ والقائل: إن الداء اختلاف الآراء، يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف. فإن قال سببه الجهل، يشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد … وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم …. وإني إراحة لفكر المطالعين أعددت لهم المباحث التي طالما أتعبت نفسي في تحليلها وخاطرت حتى بحياتي في درسها وتدقيقها، وبذلك يعلمون أني ما وافقت على الرأي القائل بأن أصل الداء هو الاستبداد السياسي إلا بعد عناء طويل يرجح أني قد أصبت الغرض. وأرجو الله أن يجعل حسن نيتي شفيع سيئاتي”

بعد أكثر من قرن كامل على توصيف الكواكبي للإستبداد السياسي المتولد من الإستبداد الديني، ها نحن نعيش إستبداد علماني تحت شعارات محاربة الإرهاب الكاذبة. لا تزال هذه الدائرة المفرغة تدور بين إستبداد وتطرف طائفي أو عرقي تضمحل فيها قوى الإعتدال و الوسطية. إن أهم أسباب نجاح تيار الإستبداد المناهض للربيع العربي يعود الى إنهيار المجتمعات العربية خصوصا في كيفية تحول العقائد الى أفعال و عدم الثقة بين مكونات المجتمع. ضياع الثقة أضاع إمكانية تعامل وتفاعل الأفراد و المجتمعات مع بعضها البعض.

تحدياتنا واضحة: إستبداد، إنهيار العقد الإجتماعي، تاريخ دامي و جغرافيا ظالمة و لايمكن الخروج من هذه الدوامة سوى بإعادة بناء حضارة الإنسان قبل جاهلية الأيديولوجيات. هل بإمكان المجتمع السوري تجاوز التناقضات الواضحة التي ظهرت على السطح خلال ال ٧ أعوام منذ بدء الثورة السورية الكبرى وخصوصا” تناقض المعرفة الفكرية مع الواقع الإجتماعي السوري المؤيد للثورة.

في بداية الثورة كانت هناك “معرفة فكرية” أصفها كالتالي:

دكتور علم النفس الإجتماعي التركي المشهور “مُظفر شريف” إشتهر بتجربه “كهف اللصوص” والتي إستنتج منها أن طبيعة الجماعات أن تختلف و تتصارع وهذا جزء من الطبيعة البشرية و عصبيتها لجماعتها. ثم إستنتج أن هذه الجماعات المختلفة تستطيع التعاون و التسامح و الإندماج عندما يتواجد عدو خارجي يهددها و عند تواجد أهداف مشتركة. البروفيسور مُظفر شريف هو أحد مؤسسي “نظرية الإختلاف الواقعي” والتي تتوقع أن تتجاوز الجماعات إختلافاتها إن كان هناك هدف مشترك أو عدو مشترك.

واقعنا الحالي و فشل كل محاولات “الغربلة” أوصلني ل “معرفة واقعية” تقول:

منذ ٢٠١١، كنت أتوقع أن عملية “الغربلة” أو الإنتقاء الطبيعي للقيادات بالإضافة الى الألم المشترك سوف تُنهي الخلافات العميقة بين المؤسسات الثورية السياسية و العسكرية و المدنية. كنت مخطئ تماما في توقعاتي فقد أصبح واضحا الأن أن عملية تدمير المجتمع السوري التي بدأت في أوائل الستينات من القرن الماضي قد أتت ثمارها. العدو المشترك و الهدف المشترك لن يُغَيِّر العقلية السورية التي ولدت و ترعرعت على منطق “عدم الربح خسارة” و “الثقة في أي شخص غير الذات غباء”. كنت أظن أن مشكلتنا تُحل ضمن عملية غربلة، للأسف مشكلتنا أعمق و أصعب و طريقنا طويل. يبدأ تغيير الإستبداد بتغيير الذات.

صدق نزار حين قال:

خلاصةُ القضيّهْ

توجزُ في عبارهْ

لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ

والروحُ جاهليّهْ…

Leave a comment