أطلق عليها إبن خلدون إسم “العصبية” و تدعى في المفهوم الغربي الإنتماء وهي الأرضية الأساسية و الأهم لأية مجتمع و أية دولة. الواقع المرير أن المتطرفون و الأقليات هم فقط من إستطاعوا تكوين قيادة مركزية و عسكرية موحدة بينما فشل الجميع ممن يدعون “الوسطية”. داعش تملك قيادة عسكرية و سياسية مركزية. النصرة لها برنامجها السياسي و العسكري المركزي. الإحتلال الإيراني و الروسي و الفصائل الطائفية الشيعية تملك قيادة مركزية موحدة. الكرد يملكون قيادة مركزية سياسية وعسكرية تبحث عن دولة مستقطعة من الجسم السوري
الجميع يدعي الوسطية و هنا قلب و مركز المشكلة، نتخاطب من منطلق وسطي معتدل يشاركك فيه أغلب الشعب السوري و لكننا جميعا (أهل الوسط) قد فشلنا في تكوين قيادة معتدلة عميقة لها بعد سياسي و عسكري مركزي. هل لأننا نكذب على أنفسنا ونحن في الواقع لا نملك إنتماء يوحدنا لأننا مجرد طوائف و قبائل و مصالح أولاً و سوريون بالصدفة؟
نحن نحتاج أن نصنع حلول عملية ولم يبقى وقت لنظريات المثقفين من أبراجهم العاجية. تكفي زيارة واحدة للملايين في مخيمات اللجوء لتسقط الثقافة

في بداية الثورة كان واضحاً أن النظام غير قادر على حسم الصراع ولم يكن قادر أن يشارك المعارضة في السلطة شراكة حقيقية لأن المشاركة تعني نهاية النظام المركزي الهرمي. مشكلتنا الحالية أكبر و أعمق من النظام مهما كان شكله. إن إستعباد و إستبداد الأسد قد دمر العقد الإجتماعي السوري و منع الصناعة الطبيعية لنخبة قيادية وسطية تتسع للجميع. النُخب المصطنعة للمعارضة منذ بداية المجلس الوطني الى الفصائل العسكرية المتناحرة لم تكن مؤهله أو قادرة على العمل الجمعي المنتظم. لقد تحقق النصر للثورة فقط عندما توحدت الفصائل العسكرية و نأمل أن يستطيع نشطاء الثورة و سياسييها و كل من يعمل من أجلها أن يكونوا بمستوى التضحيات و المسؤولية و أن يبتعدوا عن المهاترات و التحصن في مواقع الخلافات الأيديولوجية و أن يتوحدوا ضمن أُطر تتسع للجميع. فما هو الحل بعد التمني؟

الحل هو خلق “جبهة إنقاذ سورية” تتألف من قيادة سياسية و عسكرية مترابطة معا و قادرة أن تُجمع الداخل و أن تتعامل و تتفاوض من منطلق وطني موحد مع القوى الخارجية و من بقي من أشلاء النظام. هل يمكننا بناء قيادة وسطية موحدة كهذه؟ لا أعتقد أننا سنتغير بين ليلة وضحاها و يصعب تكوين جبهة موحدة في المدى القريب لأن الثورة أظهرت حقيقتنا، هناك نسبة واسعة من أهل “الصفوة” أو النخبة تضع مصالحها الشخصية أولاً و قد نجح نظام الإستبداد من تمزيق أي شكل ل “عصبية” وطنية سورية تعلوا و تسبق باقي الإنتماءات

بقاء الأسد في السلطة كان و لايزال أهم من بقاء سورية عند مؤيديه و حروب الطوائف و المصالح الحالية و القادمة سوف ترسخ الإنتماءات الضيقة و الطائفية و التطرف. أهمية الثورة ليست مجرد تغيير النظام بل تغيير كل فرد منا. إن لم تعيد الثورة صناعة عقليتنا و لم تُعلمنا أهمية “وطن” يتسع للجميع بكل ما تحتويه الكلمة فإن مأساتنا الحالية و التاريخية سوف تستمر. بعد تدمير الإنسان و المدن و القرى و تهجير أو قتل الملايين فإن كل من يعتقد أن أي حل عسكري أو إتفاق سياسي سوف يحقق الإستقرار يجب أن يكون مصاب في الهذيان؟. يا أهل الوسط، إتحدوا

Leave a comment