في بلاد العرب، لايزال هناك من يؤمن بإن قيادة الحاكم المتسلط والعادل والحكم المركزي الهرمي هي الطريقة المثُلى للحكم الرشيد وهي القيادة التي ستُمكن بلادنا من أن تنهض وتتقدم
تجاربنا منذ قرن قد أثبتت أن إنتظار شعوبنا للحاكم الصارم المتسلط ولكن العادل قد طال حتى أصبحت بلادنا في حضيض الحضارة
منطق الحكم المركزي الهرمي هو مهنة محلية تمارسها كافة الإتجاهات والأيديولوجيات في بلادنا وهو منطق ذو أسس اجتماعية وحضارية يصعب تغييرها. شعوبنا لم تصل بعد الى تجارب سياسية تستطيع من خلالها التخلص من الأهرام التي تحتوي القائد الفذ أو الحزب المجيد على قممها. مما لاشكفيه تاريخياً أن كل الأحزاب سواء كانت قومية أو إسلامية أو يسارية أو ليبرالية لم تُنتج سوى أنظمة سياسية تتلخص وتُختصر بشخص واحد أو عائلة واحدةولم تستطع أن تنهض ببلادها بعد نصف قرن من حكم الشخص الأوحد. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤال مهم للغاية: لماذا يتفق الجميع في بلاد العرب من اليساريون والليبراليون والقوميون والإسلاميون على أنظمة حكم تنتهي بالسلطة المطلقة بيد شخص واحد أو فئة صغيرة؟ هل هذا مجرد نتيجة مباشرة لمفاهيم إجتماعية وحضارية تربوية عميقة يصعب تغييرها أم أن السبب هو مراكز القوى العالمية التي تفرض على شعوبنا الحكم المطلق الهرمي؟
تعددت الأسباب والنتيجة واحدة فهل من مخرج؟ ما هو الحل من هذا الإرث التاريخي والمرض الإجتماعي الذي أصاب بلادنا. يتسابق العديد لطرح حلول من منطلقات أيديولوجية بحتة. فبعض الإسلاميون يرفعون شعار أن الإسلام هو الحل ويتنافس القوميون في صراعات عدمية حول أولوية الوحدة القومية أو القطرية. بينما تقوقع الماركسيون مع تراجع الشيوعية ولايزال الليبراليون يَرَوْن الحل هو مجرد إستيراد ونسخ للتجارب الغربية. يستمر جدل مثقفي البرج العاجي بينما يتقوقع أغلب المجتمع حول إنتمائات طائفية أو قبلية أو أثنية أو مناطقية.
التغيير من أنظمة هرمية عامودية الى نظام تعددي أفقي لا يحتاج الى أيديولوجيات سياسية بقدر الحاجة الى ضبط وتوزيع السلطة المركزية مهما كانت إنتمائاتها. يوجد محورين أساسيين لصناعة التغيير المبتغى
١– السلطة المحلية: وهي تختلف عن مجرد الإدارة المحلية. يقال في الغرب أن “السياسة المحلية هي كل السياسة” بمعنى أن كل الإهتمامات الأساسية لأية مجموعة بشرية هي ذات أولويات محلية. ولكن حكومات الإستبداد لن تسمح للقوى المحلية أن تدير أمورها الذاتية بنفسها لأن هذا يُضعف مصادر دخل ونفوذ الإستبداد. وبما أن مجتمعات الشرق الأوسط لا تمتلك إنتمائات وطنية مشتركة بل تُصر على إنتمائات طائفية أو أثنية فإن السلطة المحلية قد تتحول بسرعة الى صراع مع الجوار والى تفتت وتشرذم معاكس لتطور الأنظمة البشرية. وهكذا ثلاث مُعيقات لبناء سلطة محلية متطورة، المواطنة الضائعة، والإستبداد، والصراع بين مكونات المجتمع. الحل يتم عندما يمتلك جزء واسع من الشعب حضارة تقبل الأخر وعقلية ضبط حدود الخلاف
٢– المؤسسات و المنظمات المدنية: استولت أنظمة الإستبداد على كافة المؤسسات و المنظمات المدنية و منعت إنشاء أو نمو مؤسسات مستقلة. كان العمل السري هو الحل الوحيد لمواجهة استيلاء الأنظمة على المؤسسات المدنية. الدور الأساسي للمؤسسات المدنية الحرة هو أنها تنتقي الكفائات وتصطفي القيادات الصادقة. ألية صعود النخبة القيادية الصادقة في الأنظمة الحرة هي أهم عوامل التطور
يقول توماس فريدمان وهو كاتب أميركي مشهور في مقالة حديثة في جريدة النيويورك تايمز أن سبب فشل العرب من أن يصنعوا دولة معاصرة هو أمرين أساسيان
١- لايوجد ألية تُعلم الشعب كيفية تحمُل أو تَقبُل الخلاف أو الإختلاف و
٢- لايوجد قيادات صادقة قادرة أن تنقل المجتمع من الواقع الى الأفضل؟
طبعاً لم يعترف فريدمان ولن يعترف أن التدخل العدواني للدول الخارجية وخصوصاً الغربية في شؤون شعوب ودول المنطقة هو أحد أهم أسباب هذا الفشل. ولكن هذا لا يعني أنه مخطئ في توصيفه لثنائي الأسباب التي أفشلت التطور العربي. تٓقبُل الخلاف هو حجر الأساس للمواطنة. و ألية تصطفي القيادة المؤهلة والصادقة والتي لا تملك سلطة مطلقة هي الوحيدة التي تستطيع أن تنقل مجتمعاتنا الى الأمام